العودة للتدوينات

الحزنُ في العاشرة صباحًا

في الصباح لا يُشبه الحزنُ ذاته في المساء، إنه أكثرُ قسوة، أكثر عريًا، وأشدُّ وطأةً على القلب.
في المساء نختبئ خلف الظلام، نُسدِلُ على همومنا ستائر الليل، فيحجبها، ولو قليلًا، بعضٌ من أملٍ واهمٍ بالنوم أو بالنسيان. لكنَّ العاشرة صباحًا لا تُمهلُنا شيئًا من هذا؛ فهي تُجبِرُنا على مواجهة الحياة، أن نصحو من نومٍ قلِقٍ، لنرتدي وجوهًا ليست لنا، ونبتسم ابتساماتٍ مُستعارة، ونقول لكلِّ من يسألُ عابرًا: “الحمدُ لله، إنني بخير.”

هذا الحزنُ في العاشرة صباحًا هو حزنٌ منكشفٌ تمامًا أمام الذات، حزنٌ لا مفرَّ منه إلى كذبةٍ صغيرةٍ تسمّى “التجلّد”.
تُمارسُ أعمالَكَ بتلقائيةٍ مخيفة، تتحرَّكُ كآلةٍ ميكانيكيةٍ مُعطّلةٍ من الداخلِ، تدورُ بقوَّة دفعِ الواجبِ لا بروحِ الحياة.
تحادثُ الناس، تحضر الاجتماعات، تُقلِّبُ الأوراق، وتتظاهرُ كناجٍ انتصرَ على وجعه، وأقنع العالمَ أنه متصالحٌ مع الحياة، لكنكَ من داخلك مهزومٌ حدَّ الرماد.

العاشرةُ صباحًا ساعةٌ ثقيلة، دقيقةٌ بطيئةٌ تُذكِّرُكَ بفراغِ قلبك، وقلقِ روحك، وبذاك الاكتئابِ الذي ينتظرُكَ خلف أبواب الغرفِ المغلقةِ حين تعودُ إلى وحدتك مساءً.
الحزنُ في الصباح هو امتحانُ قدرتِكَ على احتمالِ ذاتِكَ المنكسرةِ في وضحِ النهار.

إنهُ ألمُ الناجين من الحياةِ ظاهريًا، المكسورين داخليًا، الذين علّمتهم الحياةُ أنَّ أعظمَ معاركِهم ليست تلك التي يخوضونها في الليلِ مع القلقِ، بل في الصباحِ مع أنفسهم، حينَ يُضطرُّون للتظاهر بأنَّ شيئًا لم يكن.

لكن، يا صديقي، دعني أخبرك بسرٍ عجيبٍ عن حزنِ العاشرة صباحًا:
رغم كل قسوته، هو حزنٌ عابر. مؤلمٌ لكنه لا يدوم، عنيدٌ لكنه لا ينتصر دائمًا.

سيمضي الوقت، سيتراجع الحزنُ رويدًا رويدًا، سينتهي دوامُ هذا اليوم الثقيل، وستجلس مساءً في هدوءٍ لتشعرَ بأنك قد نجوتَ مرةً أخرى، وأن الحياة، على رغم قسوتها في وضح النهار، لا زالت تحملُ في طياتها وعدًا بأن صباحًا آخر سيأتي، أخفُّ وطأةً، وأقلُّ حزنًا.

ستُشرق عليك شمسٌ أخرى، وستتعلّم أن تتصالح مع روحك، مع حزنك، مع ذاتك.
فالحزنُ، مهما بدا طويلًا، هو مجرد محطةٍ صغيرةٍ في رحلتك نحو سلامٍ مُرتقب.

اترك تعليقاً