العودة للتدوينات

النبل الحقيقي أن تفهم دون سؤال

في هذه الحياة المتقلّبة، لا تُقاس معاناة الناس بما يظهر منهم، فكم من قلبٍ يئنّ بصمت، وكم من روحٍ تمضي مثقلةً دون أن تطلب العون. ليست القسوة دائمًا في الأحداث، بل في غياب من يلتفت لها.

‏يمرّ الإنسان أحيانًا بلحظاتٍ يضيق فيها صدره حتى عن أبسط ما اعتاد عليه، فتتعثّر كلماته، ويشرد ذهنه، ويختلّ انتظامه. فالهمّ حين يستقرّ في القلب، يربك الجوارح كلّها، ويجعل المرء حاضرًا بجسده، غائبًا بروحه.

‏وقد نسيء الظنّ بمن قصّر أو تغيّر، وننسى أن خلف الصمت قد تكون حكاية ألم ومعاناة، وخلف الجفاء وجعًا لا يُحسن صاحبه البوح به. فليس كل خطأ إهمالًا، ولا كل فتور تجاهلًا، إنما هي أحمال أثقل من أن تُرى.

‏”كان أحمد بن طولون، مؤسّس الدولة الطولونية وحاكم مصر والشام، يخرج متخفّيًا أحيانًا ويسمع قراءة الأئمة في المحاريب، فدعا أحد عمّاله يومًا وقال له:
‏امضِ إلى المسجد الفلاني، وأعطِ إمامه هذه الدنانير.

‏قال العامل:
‏فمضيت، وجلست مع الإمام، وباسطته في الحديث، حتى شكا أن زوجته ضربها الطلق، ولم يكن معه ما يُنفق على أمور ولادتها، وأنه صلّى فأخطأ كثيرًا في القراءة.
‏فأعطيته المال وعدت.

‏ولمّا أخبرتُ ابن طولون بالأمر، سألته:
‏يا أيها الأمير، من أين علمتَ بأمره؟

‏فقال:
‏ما كان يُخطئ من قبل في القراءة، فلمّا أخطأ هذه المرّة علمتُ شُغل قلبه بشيء من الدنيا، فأردتُ أن أكفيه.”

‏يتجسد النبل الحقيقي في الفطنة لا في السؤال، وفي المبادرة لا في العتاب. أن نقرأ الحزن في الوجوه، ونلتقط الانكسار في الأصوات، ونُقدّم العون قبل أن يُطلب. فبعض الناس يعزّ عليهم أن يبثوا همهم أو يمدّوا أيديهم، لكن قلوبهم تكون في أمسّ الحاجة لمن يسبقهم بالخير.

‏إن الرفق لا يُنقص صاحبه، بل يرفعه، والعطاء الصامت أبلغ من ألف كلمة، والدنيا —مهما اشتدّت— تلين أمام قلبٍ كريم.

‏والخلاصة التي تعيدنا إلى سعة المعنى:
‏كن إنسانًا يخفّف لا يثقل، يفهم لا يحاكم، ويجبر قبل أن يُطالب.
‏فما أكثر القلوب التي لا تحتاج إلى نصيحة..
‏بل إلى لمحة فهم، ولمسة رحمة، وإنسانٍ يرفق.

– حمد السويلم

اترك تعليقاً