أنقذتني الاستخارة من ذلك التيه الذي كان يتربص بخطواتي، من التردد الذي مزّق قلبي بين اختيارين لا يُرى في أيٍّ منهما النور. كنت أظن أنني أملك القدرة على تمييز الخير، على أن أزن الأمور بعقلي وحده، لكن الأيام أثبتت لي أن العقول مهما بلغت من فطنة تبقى محدودة، يضلّها الهوى، وتخدعها الظنون.
صليت الاستخارة وقلبي مكسور، كأنني ألقيت حملي كله في سجدة واحدة، ثم قمت وكأن شيئًا في داخلي تغيّر. لم يُسمع صوت، ولم تأتِني رؤيا، لكن شيئًا ما بدأ يستقرّ، الحيرة خفّت، والقلق تبدّد، كأن الروح وجدت مرساها بعد أن كانت تهيم.
مرت الأيام، وبدأت الطرق تتكشف أمامي واحدة تلو الأخرى. تساقطت الأقنعة، وظهرت الإشارات، كأن الكون كله بدأ يهمس لي أنني كنت على صواب. ولم أندم. لا لأن كل شيء صار كما تمنيت، بل لأن قلبي كان مطمئنًا، راضيًا، مُسلِّمًا لما اختاره الله لي. لقد علّمتني الاستخارة أن الرضا لا يعني أن كل شيء يسير كما أحب، بل أن أثق أن كل ما جرى هو خير، حتى لو لم أفهمه بعد.
صلاة الاستخارة ليست مجرد طلب للخيرة، بل إعلان تسليم، خروج من حول الإنسان وقوته إلى سعة حكمة الله وعلمه. إنها مرساة العارفين، وسكينة الموقنين، ودليل التائهين حين تتشابه عليهم الدروب.
لقد أنقذتني الاستخارة، لا فقط من قرار خاطئ، بل من نفسي، من غطرسة الظن أنني أعرف. ومن يومها، صرت أعود إليها كلما ضاقت عليّ الأبواب، وصرت أطمئن: ما دام قلبي دعا ربه أن يختار، فلن تكون النتيجة إلا سلامًا، ولو بعد حين.