العودة للتدوينات

في سلامة الصدر

طال ما خُدِعنا عن حقيقة السعادة، فركضنا نطلبها في المال والمناصب والمظاهر، حتى إذا أتيناها وجدناها سرابًا، أو وجدناها ثقيلة على القلب، لا تطمئنّ لها النفس ولا تهنأ بها الروح. وأحسبُ  بعد ما رأيت من الدنيا، وعاينت من الناس، وسافرت في شؤون القلب  أن أثمن ما يُرزق به المرء في حياته هو سلامة الصدر.

سلامةٌ لا تعني غفلة، ولا تعني ضعفًا، بل هي وعيٌ رفيع، وخُلق كريم، وروح تعلم أن الله يرى، ويُجزي، ويكفي. رأيتُ من عاشوا بعقولهم ولكن بقلوبٍ مثقلة: حقد هنا، وظن هناك، ومقارنات تُفسد الرضا… فما نفعهم عقلهم، ولا أراحهم ما ملكوا. ثم رأيتُ آخرين، لا مال عندهم ولا جاه، ولكن صدورهم نقية، وقلوبهم خفيفة، ينامون قريري العين، لا يحملون حقدًا، ولا يسألون غير الله عدلًا ورحمة. وتأملتُ في قول الله تعالى: “يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون * إلا من أتى الله بقلبٍ سليم”، فأدركت أن سلامة الصدر ليست من الفضائل المهجورة، بل من شروط النجاة. سلامة الصدر… أن تعفو وأنت قادر، وتُحسن الظن حين يسود الشك، وتُسلّم الأمر لله، لا لأنك عاجز، بل لأنك واثق أن العدل عدله، والرزق رزقه، والقلوب بين يديه.

وهكذا، بعد طول تأمل، وجدتني لا أسعى كما كنت أسعى، ولا أنافس كما كنت أنافس… بل أصبحت أغبط من يملك صدرًا نقيًا، ولو قلّ مالُه، وخفّ صوته بين الناس. فليس أسعد من امرئٍ نام وهو لا يكره أحدًا، ولا يُحاسب أحدًا، بل ردّ الأمر كلّه إلى الله، واطمأن.

اترك تعليقاً