العودة للتدوينات

الوجهة كانت دائمًا… في مكة

أحيانًا أشعر أني تائه، كأني أمشي في دوائر لا نهاية لها. كل الطرق متشابهة، كل الوجوه باهتة، وكل الأصوات من حولي لا تشبه صوتي. في داخلي ضيق، لا أعرف مصدره، ولا كيف أشرحه… لكنه يسكنني، يثقل صدري، ويجعل كل شيء يبدو بعيدًا، حتى أنا عن نفسي.

أحاول أن أتماسك، أتشبث بالأيام، أبتسم، أتكلم، أشارك، لكني في العمق… فارغ. هناك شيء مفقود، شيء أكبر منّي، كأني فقدت البوصلة، وتاه عني الاتجاه.

وفي خضم هذا التيه، لا أدري لماذا، لكن قلبي يلتفت دائمًا نحو مكة. كأن فيها الإجابة التي لم أعد أبحث عنها بالكلمات، بل بالشعور. كأن كل ما فيّ يشتاق أن يذوب هناك، بين الطواف والسجود، أن ينصهر همي بصوت “لبيك”، أن أضع رأسي على الأرض هناك، وأبكي كل ما لا أعرف كيف أقوله.

أحتاج أن أكون هناك… لا لأطلب شيئًا، بل لأتخفف من كل شيء. أحتاج لمكة لأن فيها سكينة لا أجدها في غيرها، لأنني حين أراها، يتوقف ضجيج رأسي، ويبدأ قلبي في الترتيل. أنا لا أهرب، بل أعود. أعود إلى مكاني الحقيقي، إلى قبلةٍ لا تضلّني، إلى موضعٍ حين أبلغه لا أطلب شيئًا لأنني أجد كل شيء. كلما ضاقت بي الأرض بما رحبت، وشعرت أن لا جهة تُشبهني، تذكرت أن لي هناك وطنًا لا تُقاس مسافته بالأميال، بل بالدموع المخبّأة، والحنين الصامت، والخطوات المثقلة التي تشتاق أن تنحني خاشعة أمام باب الرحمة.

هناك، لا أرتّب دعائي… فكل ما فيّ يدعو. هناك، لا أبحث عن نفسي… لأنني أجدها، بين الزحام، ساكنة، مطمئنة، وكأنها كانت تعرف الطريق طوال الوقت. فالوجهة لم تكن يومًا في الطرق… الوجهة كانت دومًا في السجود، وكانت دائمًا… في مكة.

اترك تعليقاً