لطالما حيّرني هذا السؤال، وأخذني إلى طرقٍ وعرةٍ في داخلي، بين شعورٍ غامضٍ باليأس ورغبةٍ ملحّة في الرجاء. القلبُ ليس عضوًا بسيطًا يخفق ليبقيك حيًّا، بل عالمٌ كاملٌ له أبوابٌ ونوافذ، وله فصولٌ تُزهر، وأخرى تهرم، وله ليلٌ ونهارٌ لا يشبهان ليل الأرض ونهارها.
وربما يموت القلب دون أن نشعر، لأن موته لا يُرى، ولا صوت له. يموت حين يغيب عنه النور، حين تموتُ فيه رغبةُ الانتظار، حين يصبحُ الحب عادةً ثقيلةً، والفرح واجبًا مُرهقًا، والدمعةُ جافةً في العين، والضحكة باهتةً على الشفاه.
لكنه موتٌ غريب، لا تنتهي معه الحياة مباشرةً. بل تظل تمضي، وأنت تمشي بين الناس كمن يحمل قبره في صدره، لا يدري أحدٌ أنك دفنتَ شيئًا ما بداخلك منذ زمن. تنظر حولك، فلا ترى شيئًا، كأن بينك وبين العالم زجاجًا سميكًا يمنعك من لمسه. تضحك معهم، وتأكل معهم، وتعيش بينهم، لكنك في الحقيقة تقف بعيدًا عنهم، بعيدًا حتى عن نفسك.
ويبقى السؤال معلقًا في سماء الروح: هل يعود القلب إذا مات؟
وأظنّ، بعد حيرةٍ طويلة، أن القلب يشبه غصنًا يابسًا في شجرةٍ قديمة. تظنه ميتًا طوال الشتاء، لكنه فجأةً يُزهر في ربيعٍ لا تتوقعه. ربما يحتاج القلب إلى مطرٍ يأتي دون موعد، إلى دعوةٍ لم تقصدها بلسانك، أو إلى لحظةٍ صادقةٍ مع نفسك، لحظةٍ تبكي فيها دون سبب، وترجو فيها دون كلمات.
ربما يحتاج إلى أن تفتح نافذةً صغيرةً في ظلامك، نافذةً نحو السماء، لتتسلل منها ذرةٌ من نورٍ تعيد لقلبك الحياة. وربما نحن من ماتوا بقلوبهم، لسنا موتى حقًا، بل ننتظر ذلك الشيء البسيط جدًا، الخفيف جدًا، الذي يُشعلنا من جديد.
فالقلبُ الذي خلقه الله لا يموتُ دفعةً واحدة. إنه يموت قليلًا… ليحيا كثيرًا. فهل حقًا يموت القلب إذا غاب النور، أم أنه فقط ينتظر مَن يُشعل له شمعةً صغيرة في الظلام؟