العودة للتدوينات

الإرث الذي لا يُشترى بالمال

استيقظتُ صباحًا، وعلى غير العادة، وجدتُ نفسي مضافًا إلى مجموعة في الواتساب باسم “مؤقت”. كان الاسم كفيلًا بأن يخبرني أن الأمر ليس عابرًا؛ فهذا النوع من المجموعات لا يظهر بين أفراد العائلة إلا حين يكون هناك أمرٌ يخص أحدنا، فنُستثنى منه لنكون له، لا عليه.

لم يطل الانتظار، بدأ أخي الأكبر بطرح موضوعٍ يشغلنا جميعًا؛ مشكلةٌ مادية يمر بها أحد إخوتنا. لم يكن طرحه شكوى، بل كان بحثًا عن سترٍ وحل، عن طريقةٍ نكون بها عونًا دون أن نُشعر أخانا بثقل ما يمر به. تتابعت الرسائل، وتوزعت الأدوار، وكلٌ منا يمدّ ما يستطيع، وكأن الأمر بديهي، وكأننا خُلقنا لهذا الموقف تحديدًا. وانتهى كل شيء بهدوء… كما بدأ. أُغلقت المجموعة، وحُلّت المشكلة، وبقي أخونا لا يعلم شيئًا، سوى أنه محاطٌ بأيدٍ خفيةٍ تُمسك به كلما كاد أن يميل.

حينها فقط، أدركتُ من جديد أن من أعظم ما امتنّ الله به عليّ، أن جعل لي عائلة لا تُقاس بروابط الدم وحدها، بل بما يسكن القلوب من محبةٍ صادقة، وبما تمتد به الأيادي من عطاءٍ صامت. عائلةٌ كأنها قلبٌ واحد، إذا مال أحد أركانه، استقامت به بقية القلوب دون أن ينطق بطلب. نحن لا نقول الحب كثيرًا، لكننا نعيشه فعلًا؛ في المبادرات الخفية، في السؤال الذي يأتي قبل الشكوى، في الحضور الذي لا ينتظر دعوة. نتفقد بعضنا كما تتفقد الروح مواضع ألمها، بصمتٍ حانٍ، وبفطرةٍ لا تخطئ طريقها.

وكلما تأملت إخوتي، ورأيت كيف تتشابك أرواحهم قبل أيديهم، أدركت أن ما نحن عليه لم يكن صدفة، بل هو إرثٌ عظيم تركه لنا والدي؛ نحنُ ثمارُ تلك الشمعة التي ذابت لتضيء لنا، والدنا الصالح الذي لم يورثنا مالًا، بل أورثنا ما هو أبقى: عائلةً يسندُ فيها القلبُ القلبَ قبل أن تميلَ الأكتاف. اللهم اجزه عنا خير الجزاء، وألبسه لباس الصحة والعافية، فقد وهبنا ما لا يُشترى، ولا يُعوّض: عائلةً تُشبه الطمأنينة، وتُشبه الدعاء المستجاب، عائلةً إذا اجتمعت، اجتمع معها معنى الحياة.

اترك تعليقاً