صبيحة يوم الإثنين، شقّ رنين الهاتف سكون نومي، وكان المتصل أخي الأكبر. وقبل أن أستجمع حواسي أو أنطق بحرف، كان قلبي قد التقط النبأ قبل أذني. “لقد أعطاك الوالد عمره”… جملةٌ واحدة كانت كفيلة بأن توقف الزمن، وتُخرس الكلمات في حلقي. صمتُّ، وصمتَ كل شيء حولي، بينما كان صوت أخي يتردد في أذني طالباً مني التسلح بالصبر.
عشرُ سنواتٍ طوال، كان شبح هذا اليوم يطاردني في منامي. طالما رأيتُ هذا المشهد في كوابيسي؛ أقف فيه باكياً منتحباً على فراق أبي، ثم أنتفض من نومي فزعاً، لألهج بحمد الله أن الأمر لم يتعدَّ حدود الحلم. لكنني في تلك اللحظة القاسية، وقفتُ على برزخٍ فاصلٍ بين الكابوس والواقع، تملّكني جمودٌ بارد، وشُلّت قدرتي على الفهم أو التعبير. ومن هول الصدمة، لم أجد مهرباً سوى أن أغلق الهاتف وألوذ بفراشي من جديد، أغمضت عينيّ بقوة، أستجدي النوم لعلّ عجلة الزمن تعود للوراء قليلاً، ولعلّي أستيقظ لأكتشف أنه مجرد حلمٍ آخر سينجلي مع ضوء الصباح.
لكنني استيقظت، وكان الصباح شاهداً على الحقيقة المطلقة. أضاءت شاشة هاتفي بمكالمات فائتة من الأقرباء والأصدقاء، لتعلن أن روح أبي الطاهرة قد فاضت إلى بارئها، وأن السند الذي لطالما اتكأنا عليه قد رحل إلى دار البقاء!
في تلك اللحظات الثقيلة، انصرف فكري عن حزني، وذهب قلبي يطوف حول أمي، وحول أخي إبراهيم.. كيف سيقع هذا النبأ على قلبيهما؟ وكيف ستحتمل أرواحنا التي تعلقت بهذا الأب تعلقاً جاوز حدّ الوصف؟
ولكن، سبحان من إذا أنزل البلاء، حفّه بألطافٍ خفية، وأنزل معه سكينةً تمسح على القلوب المكلومة. لقد أدركتُ حينها حكمة الله البالغة في مرض أبي الذي امتد لعام ونصف؛ كان طريح الفراش، غائباً عن تفاصيل دنيانا، لا يتذكر أحداً ولا ينطق بحرف. كنا نراه يتلاشى أمامنا بهدوء، ولم نكن نعلم أن الله، ببالغ رحمته، كان يرفعه في درجات الجنة بمرضه، وكان في الوقت ذاته يهيئ أرواحنا لاستيعاب فكرة الرحيل.
لقد جعل الله من ذلك المرض الطويل نعمةً لنا وله من حيث لا نحتسب؛ رزقنا فيه شرف خدمته والاستزادة من برّه، وروّض قلوبنا خطوة بخطوة على تقبل الوداع الأخير.
لقد كان رحيله فاجعة، فنحن عائلة التفت حول أبيها كما تلتف الأغصان حول جذعها، لكنني رأيتُ رحمة الله تتجلى عياناً في تلك الطمأنينة العجيبة التي تنزلت علينا جميعاً في لحظة الوداع. أصبحنا نستمد الصبر من بعضنا، ونسند بعضنا بصمتٍ ورضا وتجلّد.
وحتى هذه اللحظة، لا زلت أستشعر طيفه يملأ زوايا المكان.. كأنه لم يرحل، أو لعلّ روحي، من فرط حبها، لا تزال ترفض التصديق بأن من كان يمثل لها الحياة قد غادرها.
اللهم اغفر لوالدي وارحمه، واجعل ما كابده في مرضه كفارةً ورفعةً له في الفردوس الأعلى من الجنة. اللهم اربط على قلوبنا بالصبر والرضا، واجبر كسرنا في فراقه، واجمعنا به في مستقر رحمتك، عائلةً واحدةً كما كنا في الدنيا، لا يمسها الفقد، ولا يطويها الغياب.