العودة للتدوينات

ماذا لو؟… سؤال القلق الأبدي

كان القلقُ يأتي إليّ بلا خطوات، كفكرةٍ تتقمّص هيئةَ ظلٍّ وتسكن بين ضلوعي. لا يصرخ، لكنه يهمس همسًا لا ينتهي: ماذا لو؟ لماذا؟ وإلى أين؟ كأن العقلَ طاحونةٌ لا تتعب، تُدير احتمالاتٍ لا تقع، وتُنبت في القلب أشواكًا من خيال. أحيانًا أشعر أنني لستُ خائفًا من شيءٍ محدد، بل من هشاشتي نفسها؛ من أن يكون العالمُ أوسع من قدرتي على الفهم، وأن تكون الطمأنينةُ مجرد هدنةٍ قصيرة في حربٍ صامتة.

ثم أفهم، ببطءٍ يشبه الفجر، أن القلق ليس عدوًا تمامًا؛ إنه علامةُ حياةٍ ترفض أن تمرّ بلا معنى، وأن الروح حين تضيق تبحث عن بابٍ أعلى من أبواب المنطق. فأهدأ قليلًا، وأتعلّم أن أترك الأسئلة تمرّ مثل سحبٍ لا أملكها، وأن أستبدل شدّ الحبل بإرخائه، وأن أصدق أنّ بعض النجاة تبدأ حين أتوقف عن المقاومة.

الآن، أضع كفّي على صدري كمن يطمئن طفلًا في داخله، وأتنفّس: شهيقًا يلمّ شتاتي، وزفيرًا يردّني إلى نفسي. يا رب… إن ضاقت عليّ احتمالاتي فوسّعني بنورك، وإن أثقلني الغد فاحمل عني منه ما لا أطيق. علّمني أن يكون قلبي بيتًا لا ساحةَ قتال، وأن أراك في كل ما أهاب. اللهم اجعل لي من القلق سُلّمًا إليك، ومن الخوف طريقًا إلى يقينك… وامنحني سكينةً لا تهتز، وطمأنينةً تستقر كنسمةٍ باردةٍ على روحٍ مُنهَكة.

اترك تعليقاً